حبيب الله الهاشمي الخوئي
43
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
( ففيها اختبرتم ولغيرها خلقتم ) يعني أنّه سبحانه خلقكم في الدّنيا لا لأجل الدّنيا والبقاء فيها والرّكون إليها ، بل لأجل الآخرة وتحصيل النّعمة الدّائمة ، وإنّما خلقكم في الدّنيا لمحض الابتلاء والامتحان كما قال تعالى : * ( كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ ) * . وقد مضى تحقيق معنى الابتلاء في شرح الخطبة الثّانية والسّتين ، وبيّنا هناك أنّ اللَّازم على الانسان قصر همّته في محصّلات السّعادة الأخروية ليخلص من قالب الامتحان ، وليستحقّ القرار في غرفات الجنان ، ويدرك مرتبة الرّضوان الذي هو أعظم السّعادات وأشرف اللذات وأكبر البهجات . ( انّ المرء إذا هلك قال النّاس ما ترك وقالت الملائكة ما قدّم ) وهو تأكيد لما سبق فانّه عليه السّلام لمّا أمر بالأخذ من الممرّ للمقرّ وبالزّهد في الدّنيا والاعراض عن قنياتها وزخارفها ، ونبّه على أنّ الغرض الأصلي من الخلقة هو العبادة والطاعة وتحصيل السّعادة الأخروية . أكَّده بأنّ المرء إذا مات قال أبناء الدّنيا من عشاير الميّت والأقرباء والاخوان والقرناء المصروف هممهم بها والمشغولين بها عن التّوجّه إلى الأخرى : ما ترك ، أي يسأل بعضهم بعضا عمّا خلَّفه الميّت من متاع الدّنيا وما تركه من الأولاد والأموال . وقالت الملائكة الَّذين نظرهم إلى محصلات القرب والزّلفى لديه تعالى فقط : ما قدّم الميّت لنفسه وادّخره ليوم فاقته ومقام حاجته ، فينبغي على ذلك ترجيح مسؤول الملائكة على مسؤول النّاس ، وتقديم محصّلات الزّلفي على قنيات الدّنيا قال الشّارح البحراني : وفي لفظ ما ترك وما قدّم لطف تنبيه على أنّ متاع الدّنيا مفارق متروك والأعمال الصّالحة مقدّمة باقية نافعة للمرء في معاده ، فينبغي أن تكون العناية بها دون المفارق المتروك . ( للَّه آبائكم ) استعظمهم بنسبة آبائهم إلى اللَّه حيث ولدوا مثل هؤلاء الأولاد وقوله : ( فقدّموا بعضا يكن لكم ولا تخلَّفوا كلَّا فيكون عليكم ) تفريع على